الصالحي الشامي
13
سبل الهدى والرشاد
الباب الخامس في حكم أفعاله الدنيوية - صلى الله عليه وسلم - قال القاضي : وأما أفعاله صلى الله عليه وسلم الدنيوية فحكمه فيها من توقي المعاصي والمكروهات ما قد قدمناه ، ومن جواز السهو والغلط في بعضها ما ذكرناه . وكله غير قادح في النبوة ، بلى ، إن هذا فيها على الندور ، إذ عامة أفعاله على السداد والصواب ، بل أكثرها أو كلها جارية مجرى العبادات والقرب على ما بينا ، إذ كان صلى الله عليه وسلم لا يأخذ منها لنفسه إلا ضرورته ، وما يقيم رمق جسمه ، وفيه مصلحة ذاته التي بها يعبد ربه ، ويقيم شريعته ، ويسوس أمته ، وما كان فيما بينه وبين الناس من ذلك فبين معروف يصنعه ، أو بر يوسعه ، أو كلام حسن يقوله أو يسمعه ، أو تألف شارد ، أو قهر معاند ، أو مداراة حاسد ، وكل هذا لاحق بصالح أعماله ، منتظم في زاكي وظائف عباداته ، وقد كان يخالف في أفعاله الدنيوية بحسب اختلاف الأحوال ، ويعد للأمور أشباهها ، فيركب - في تصرفه لما قرب - الحمار ، وفي أسفاره الراحلة ، ويركب البغلة في معارك الحرب دليلا على الثبات ، ويركب الخيل ويعدها ليوم الفزع وإجابة الصارخ . وكذلك في لباسه وسائر أحواله بحسب اعتبار مصالحه ومصالح أمته . وكذلك يفعل الفعل من أمور الدنيا مساعدة لأمته وسياسة وكراهية لخلافها وإن كان قد يري غيره خيرا منه ، كما يترك الفعل لهذا ، وقد يرى فعله خيرا منه . وقد يفعل هذا في الأمور الدينية مما له الخيرة في أحد وجهيه ، كخروجه من المدينة لأحد ، وكان مذهبه التحصن بها ، وتركه قتل المنافقين ، وهو على يقين من أمرهم مؤالفة لغيرهم ، ورعاية للمؤمنين من قرابتهم ، وكراهة لأن يقول الناس : إن محمدا يقتل أصحابه ، كما جاء في الحديث ، وتركه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مراعاة لقلوب قريش وتعظيمهم لتغييرها ، وحذرا من نفار قلوبهم لذلك ، وتحريك متقدم عداوتهم للدين وأهله ، فقال لعائشة في الحديث الصحيح : لولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم . ويفعل الفعل ثم يتركه ، لكون غيره خيرا منه ، كانتقاله من أدنى مياه بدر إلى أقربها للعدو من قريش ، وقوله : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي . ويبسط وجهه للكافر والعدو رجاء استئلافه . ويصبر للجاهل ، ويقول : إن من شرار الناس من اتقاه الناس لشره ، ويبذل له الرغائب ليحبب إليه شريعته ودين ربه .